نريد جامعة قائدة …. لا مقادة

لقد كان ولا يزال المثقفون هم قادة المجتمعات وروادها .. فالمثقف بحكم ثقافته يعرف متى يقف و متى يقعد، والمثقف كذلك يساهم من قريبا او من بعيد في سير سفينة المجتمع .. ولكن ولظروف ما انقلبت الموازين في بلادنا، فأصبح الأمي يقود أمة، واصبحت الجامعة -مركز العلم و الثقافة- مؤسسة محتقرة كباقي المؤسسات “التجارية” ليس لها أي تأثير مباشر كان او غير مباشر على أفراد المجتمع ..

في الوقت الراهن لن يختلف إثنان في أن الجزائر تمر بأزمة خانقة، أزمة في المعيشة، أزمة في النظام، أزمة في التعليم، أزمة في الإعلام … وللأسف لا أحد يعرف خلفيات و أبعاد هذه الأزمة سوى ذلك العرض النابض الذي يكاد يتوقف ألا و هو شريحة المثقفين عامة والطلبة -الذين من المفترض أنهم جامعييون- خاصة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لا يعمل الطلبة الجامعييون الجزائرييون على تغيير الوضع كما يعمل باقي طلبة العالم ؟!

في الصين الشعبية، أكبر إتحاد يرهب النظام هو الإتحاد العام للطلبة الصينيين، يعارض النظام حتى في علاقاته الدولية … في صربيا اليوم الطلبة يطالبون باستقالة وزير الداخلية وتنحية جميع رؤوس النظام وخاصة من الجهاز الإعلامي! في فرنسا ..ههه من أين أبدأ، أذكر أن فراسنوا ميتران خضع شخصيا لطلبة الثانويات في التسعينات وحل مشاكلهم تحت إشرافه المباشر ..! في تونس .. الطلبة أول من أستشهد من أجل حريتهم و الدفاع عن مبادئهم والتاريخ مليء بمواقف بطولية قام بها الطلبة الجامعييون كشريحة واعية تعرف ما معنى “مستقبل البلاد” وتعرف الأهداف البعيدة والقريبة التي ترمي إليها بعض المشاريع.

أما في الجزائر … في جزائر المعجزات فالطالب كأن الأمر لا يعنيه، فالذي يهمه هو الدرس الذي يسجله ليحفظه وينجح به في الإمتحان لاحقا ليس إلا !! فهو يعيش في مستنقع النسيان المسمى بالجامعة وسط ركام من المشاكل البيداغوجية لا يلتفت حواليه حتى لا يرى المشاكل “الكبرى” التي تتخبط فيها الأمة بأكمها و كأنه يعمل بالمثل القائل : “تخطي راسي !”، و بهذا الشكل تكون الجامعة الجزائرية متقوقعة على نفسها كأنها تعمل عملا أكبر من تساهم في تسيير البلاد بالنصح وبالإقتراح … فلا يهمها أن تكون الجزائر رأس مالية او إشتراكية، إسلامية او علمانية، ولا يهمها أن يسقط المجتمع فيبركة من المشاكل، وأن يلج ظلمة المجهول !.

في البلاد الغربية الطلبة يستشارون حتى في الأمور التي لا علاقة لها بطلب العلم لكن لها علاقة بمستقبلهم و مستقبل البلاد، فتوزع عليهم استمارات يسجلون فيها آراءهم حتى يتبين للدولة رأي النخبة و الشريحة المثقفة في الوطن فمن ستجد مستشارين افضل من ذخر المستقبل ؟ أما في بلادنا فحدث و لا حرج فليس للطلبة نصيب أكثر من نصيب الجزار الذي يبيع اللحم و عشاؤه لفت ! فكم من قانون شرع وكم من مشروع سن للجامعة نفسها التي يدرسون فيها ولم يستشاروا ولو بلمحة ولم يحرك الطلبة بدورهم ساكنا تجاه هذه الممارسات التي تقترب من الدكتاتورية ؟

نعم، هذا هو تهميش الحكومة الجزائرية للجامعة -لحاجة في نفس يعقوب- لكن لماذا الطالب بصفة عامة والمسلم بصفة خاصة يساعد الدولة على ذبحه ؟ لماذا يساعد على هذا التهميش القاتل ؟ لماذا يهرب من تحمل المسؤولية التي تلقيه على عاتقه هذه الأمة ؟ لماذا كل هذه السبات ؟!

صحيح أن الطالب الجزائري يعاني من مشاكل بيداغوجية وأخرى دراسية ،يعاني من مشكل المنحة ،يعاني من مشكل السكن ،من مشكل النقل ،من مشكل الإمتحانات … ولكن هذا ليس عذرا كافيا لكي ينكب الطالب على أوراقه ذهابا وإيابا بين أروقة الجامعة ناسيا او بالأحرى متناسيا ما يجري حوله ،وما يدور في الكواليس ،فالطالب -بحكم تكونيه الفكري- أثقل عمل لديه أن يقرأ البيانات والإعلانات المعلقة … ليس تثاقلا بل هروبا من التفكير في مشاكل لايكون هو شخصيا طرفا فيها .

بالأمس القريب ومنذ اندلاع الثورة السورية وما قدمته من تضحيات لم تقدمه اي ثورة حرية مثلها في زمن الربيع العربي نرى الطلبة في إضراب نفسي خطير ،لم نرى اي حركة منهم ،حتى التنظيمات الطلابية -التي اصبحت أحزابا سياسية جديدة تنهش جسم ميت- لم تستطع حتى فعل أضعف الإيمان ،فلم نرى منها لا بيانات كالعادة ولا هم يحزنون ،حتى إن الشارع تحرك وتظاهر واعتصم امام سفارة الشبيح الأول بشار المجرم ولم يتحرك الطلبة ؟! و المفترض أن يتحرك الطلبة أولا فيتبعهم الشارع فهم القلب النابض في المجتمع ،وهم الذين يبصرونه بالأخطار المحدقة به ،وهم الذين يسيرون أمامه في الطرق الوعرة … ولكن لا حياة لمن تنادي

اليوم الجزائر تسير في طريق الكل يجهل الى أين يؤدي .. سوى ربما “البعض” من الطلبة ولكن ما العمل. لا ندري ..فقط نأمل أن يفتح الطالب عينه ويغسل وجهه بالماء البارد وينفض عنه غبار الكسل و “الروتين” ويضم يده في يد أخيه ليرفع صوته عاليا فوق كل الأصوات ،فتكون بذلك الجامعة هي القائدة ،وهي الشمعة التي تحرق لتنير الدرب للآخرين .. وبذلك تكون قد وصلت الى غايتها

“حفيظ مدون جزائري، درست تخصص علوم وتقنيات، متشائم، عاشق للتقنية، أحيانا متطرف وأحيانا متطير، المدونة شخصية، عامة ومتنوعة تعالج العديد من القضايا والأمور في جميع المجالات،جادة هزلية ساخرة وناقدة [المزيد]

— عبد الحفيظ