سلام
أذكر حكاية فتى قبل عقد او أكثر من الزمن، الفتي لم يكن إلا كغيره من أقرانه، إلا أنه تصادف أن كان في المكان الخطأ في الزمان الخطأ، الفتى كان يهوى ما يهوى أقرانه، و لهم في كل مناسبة ما يعشقون، تارة كرة قدم، و تارة اخرى مسدسا مائيا، لكن حظ الفتى التعس قاده الى زمان عشق فيه الفتية البارود الصيني حتى النخاع،و لما لا والمولد النبوي الشريف على الأبواب، حذره والده من اللعب بتلك العلب الحمراء الخطيرة، لكن لمن تتلوا زبورك يا داوود ؟ إنساق مع اصحابه لشراء القليل من تلك المفرقعات لعله يمضى ليلة بيضاء يرشق غيره بما يراه غير ضار و مسل من الإنفجارات المدوية، لم يدري المسكين أنها رصاصات ملفوفة بالورق، لم ينتبه في غمرة التراشق الا و إحداها تستقر عند وجهه، لم يتذكر شيئا إلا إنفجارا مدويا و ضوء أبيضا أعمى بصره ثم أغميه عليه و لم يستفق إلا في المستشفى و بجواره أمه المفجوعة، نظر إليها لكنه بالكاد شاهدها، فنصف وجهه متورم و منتفخ بشدة و نصفه الآخر ملفوف بمتر من القماش الطبي الناصع المعقم، حاول الكلام لكن أمه قالت له استرح و دع الكلام لاحقا، لكنه قال: ” عيني تؤلمني والشاش مشدود بشدة، أمي ،،،، أريد نزع الشاش، بالإظافة انا لا عرف كيف انظر اليك بعين واحدة، أمي ،،،، متى أراك مجددا بعيني الإثنتين؟ ” اغرورقت عينا الأم المسكينة و هي تخفي ألما و حزنا شديدين و قالت : ” حين يقول الطبيب، ربما قريبا… “، لم يعرف الغلام القادم للدنيا أنه فقد لتوه عينه اليمنى .
لا يهم من الفتى، لا يهم أين الفتى، لا يهم من رشقه، لا يهم كيف و أين و لماذا، ما يهم هو من المسؤول، بعبارة أخرى من باعه تلك المتفجرات ؟ من قدم له طبق الموت ذاك ؟ من سمح بذلك ؟ من استوردها ؟ من وزعها ؟ من و من و من ؟ لكن بما أني لن استطيع الوصول لكبار المستوردين فسأكتفي بنداء لصغار اللاعبين :
اخي البائع، اعلم انك قد تقول لي انه لا عمل لك الا هذا ، قد تقول لي انها خبزة الأطفال ، قد تقول لي ألف سبب ، لكنك لا تدري أنك تبيع عيون الأطفال ليفجرها أطفال آخرون !، انت تبيع أصابع طفل بريء ليهمشها طفل بريء آخر، انت تبيع أطباق الموت من أطراف و دماء ليفجرها اشخاص آخرون، لذا أخي العزيز أرجوك أن تعيد النظر مجددا في سلعتك و تخيل مكان تلك المفرقعة المدعوة “مادام دوبل كانو” عين ابنك البكر، و مكان آخر مفرقعة المسماة “البومبة” أصبع إبنتك الصغرى الأيمن، فحينها وحينها فقط يمكنك أن تعرف ما اقصد .
أخي البائع، ستقول لي انه إن لم أبع أنا هذه “المحارق” سيبيعها غيري، وأنا أقول لك اعلم، و لكن إبدأ بنفسك فانهها عن غيها، فإن إنتهيت فأنت حكيم،،،، موافق؟ نعم، رائع! أرأيت كيف أثر واحد على واحد، دعنا الآن ننتقل الى الثالث معا ثم الى الرابع و نحن الثلاث معا ثم الى الخامس نحن الأربعة معا لعل مسيرتنا تذهب بعيدا.
اخي البائع، قد تقول لي ان لم أبع فسأخسر لقمة عيشي، صحيح، قد تخسرها لكن تذكر أن الرزق من عند الله لعل الله يجعل بعد ذلك امرا، و مكتوب حد ما ينحيه حد، و الله يرزق من حيث لا تحتسب، وبالإظافة ان كنت خسرت خبزة الأطفال فقد فزت لتوك بأطرافهم، عيونهم، آذانهم و حياتهم، أليس ذلك فوزا ؟
فلنبادر* معا من اجل مولد نبوي بدون دماء … فقط لنبادر و نرى أن نكون و أين نصبح … فقط لنبادر !
بالمناسبة : اليوم تكلمت مع صديقين لي يبيعان المفرقعات احدهما قال انه سيفكر جديا في التوقف عن بيعها والثاني لم يرد لكني وراءه حتى يستجيب بحول الله، أتمنى أن اسمع أخبارا مثل هذه من أشخاص آخرين مبادرين .
* لنبادر : اعتقد ان موضوع يوم التدوين الجزائري “لنبادر من أجل الجزائر” لم يكن مجرد حبر على ورق ، أليس كذلك ؟











عدد التعليقات (16)
أضف تعليقا