مشاهد -1- : في المقهى

سلام الله عليكم

 

مشاهد .....

مشاهد …..

 

لست من مرتادي المقاهي و لكن في هذا اليوم وجدت نفسي لا اطيق البقاء في الجامعة ثانية واحدة بعد انتهاء ساعات دراستي ، قمت أجر نفسي متعبا ، مرهقا  و وحيدا خارج اسوارها ، كل ما اريد الآن و هو إسلتقاء على كرسي و استشاف لقهوة بهدوء بعيدا عن الصخب ، لم اكن في كامل وعي ، لم اختر المقهى بعناية ، المهم ان ادخل و احصل لنفسي على كأس قهوة ، لا يهم من أين نوع ، شكل  او ثمن المهم قهوة ! كنت قبل ساعات قد نويت الصوم لكن على دين من قبلنا ، صوم على الكلام فلم يعد ما يدور حولي يستحق الكلام عنه ، و زاده التعب هيبة ، حتى اني لما جلست في زاوية المقهى اليمنى الأقرب للمخرج لمحت للساقي أن هات إلي كوب قهوة بدون نطق كلمة واحدة .

 

ثواني و وصل كوب السم الأسود الحلو* ، ارتشفت اول رشقة منه و تراجعت للخلف قليلا ملقيا بظهري على الكرسي لتبدأ عيناي رحلة الملاحظة الصامتة لكل من هو داخل المقهى ، ثواني و يدخل رجل يبدوا في العقد الخامس من عمره ، نار الشيب بدأت تلتهم شعره الذي لم يبقى منه الكثير أصلا ، فاجئني حيث جلس و لم يطلب أي شيء ، فقط فتح جيبه و أخرج علبة سجائر من أسوء الأنواع الموجودة في الأسواق الكل يعرفه اسمه ” نسيم ” و لكنه يقتل كل نسيم موجود ، أشعل سيجارته الأولى ببطئ ، لم افهم لماذا في أول الأمر ، حتى جلسته لم تكن سوية ، كأنما كان يريد إخفاء جهته اليمنى ، زاد فضولي ، لم أطل النظر إليه فعيناي كانتا قد انتقلت الى غيره ممن هو جالس في الزاوية المعكسة لي حيث علا ما بدا لي أنه شجار او نقاش حاد جدا ، لكنه تبين أنه في تلك الزاوية يجلس ساديان و عبدهما الذليل ، حيث يتمتعان بإهانته بمختلف الكلمات ، فجأة شاهدت نفسي تقوم مسرعة باتجاههما لترفع كرسيا و ترطمهما به ليخرا صريعين فكيف لهما أن يستعبدا الناس و قد ولتدهم أمهاتهم أحرارا ؟ لكني أعود لرشدي ثواني بعد ذلك في نفس الزاوية لكن العينان انتقلت الى طاولة أخرى قرب تلك الزاوية لتطلع على يوميات طالبي عمل ممن يبدوان من خريجي الجامعات واحد منها يتصفح 3 جرائد مرة واحدة و الثاني يحمل قلما و كراسا فيما يبدوا انهما يدونان كل طلب عمل يجدانه في الجرائد ، و كل منهما منهمك في ذلك حتى أن كأسي الشاي اصبحا يبدوان باردين و هما اللذان أصلا لم ينقص منهما شيء ، بضع خطوات منهما ، تقع الزاوية الأخيرة حيث انتقلت آلة الملاحظة القابعة في عيناي لتبصر أربعة أشخاص بدوا لي ممن يريد الحصول على مكان في كتاب جينس للأرقام القياسية ، فهم أكثر أهل المقهى كلاما ، و أكثرهم التهاما للسجائر ، و أكثرهم طلبا للمأكل و المشرب ، و أكثرهم ضحكا ، و أكثرهم قياما و قعودا ففي كل لحظة يهمون بالمغادرة ثم يعودون ، المقهى أصبح مكانا به كل الأجناس و الأنواع و لا يبدوا انه المكان المخصص لي حاليا ، كنت أهم بالخروج لكني لاحظت اني لم كوب القهوة لم يصل الى نصفه بعد ، انهيه ثم اغادر ، هكذا قلت في نفسي .

 

O_o

O_o

 

بعد تلك الجولة بين زوايا و طاولات المقهى فوجئت بسحابة تحول بيني و بين اي شيئ ظمن حدود متر واحد من طاولتي و شيئا فشيئا بدأت تلك السحابة تقترب ، أووه ، رائحة كريهة ، رائحة سجائر صاحب الشعر الملتهب ، نظرت إليه لعله يعي ما يفعل ، لكنه كان منهمكا في إشعال سيجارته الثالثة على التوالي دون طلب اي شيئ لحد الآن و دون أخذ استراحة بين سيجارة و أخرى ، لمحت هذه المرة ما كان يريد اخفاءه ، إنها يده اليمنى ، لقد كانت ترتعش بشدة ، خصوصا لما يأخذ نفسا من ذلك الشيطان الأبيض ، إنه إما داء الرعاش او بارنكينسون ، لا يهم إنها شران أحلاهما حنظل ، تأسفت لحاله ، حمدت الله على نعمه و دعيته أن يشفيه ، قاطع تأملي هذا مشهد خروج طالبي العمل و تنويه أحدها للآخر بقوله أن هناك جريدة ما لم يتفحصها بعد لعله يجد فيها فرصة عمل هذه المرة ، ما إن غادرا حتى علا صوت الساديان مرة أخرى ، و لكن بشكل فضيع مرفوق بعدة كلمات من السب و باذئ القول ، هنا دقت ساعة رحيلي عن هذا المكان الذي فعلا لم يكن مكانا مخصصا لي في المقام الأول ، لكن لم اشأ المغادرة دون ترك انطباعي على المقهى ، طلبت مكالمة صاحب المقهى ، ففاجئني الساقي أنه هو صاحب المقهى فماذا تريد ؟ قلت بصوت ثقيل يشده التعب أن الساديان في الطاولة الفلانية قد تجاوزوا حدود اللياقة و الأدب و وجب طردهما ، لكنه فاجأني أنه لا يستطيع إعادة تربيتهم من جديد ، بالزيادة هم زبائن لديه مثلهم مثلي ، أحسست بصفعة ساخنة تكوي خدي ، لعنت الزمان و المكان ، قلت كم أدفع لك يا هذا ، قال 40 دينارا ، دفعت و خرجت لا الوي على شيء إلا ان اعود لبيتي ….. 

 

 

قبل أن أقول “قد يتبع … ” أود أن اتذكر إخواننا من ممن حرموا نعمة البصر ، كان الله معكم ، و عوضكم حبيبتيكم بالجنة إن شاء الله ، الحمد لله على نعمه جميعا الآن ، قد يتبع … !

 

 

*لماذا سم أسود حلو ، لأن شعوب الأرض جميعا تستهلك القهوة بدون كافيين و مخففة و نحن -الشعب الجزائري- الوحيدون ربما الذين نحتسي اكواب القهوة متخمة بالكافيين و نزيد أن نطهوها او نطلبها شديدة التركيز لعلها تعدل مزاجنا المتقلب .

#لست ” لاهي للغاشي” ، لكن هناك أشياء مثل الجوع و التعب قد تجعلك تفعل ما لا قد تتخيل يوما أنه ستفعله .

 

“حفيظ مدون جزائري، درست تخصص علوم وتقنيات، متشائم، عاشق للتقنية، أحيانا متطرف وأحيانا متطير، المدونة شخصية، عامة ومتنوعة تعالج العديد من القضايا والأمور في جميع المجالات،جادة هزلية ساخرة وناقدة [المزيد]

— عبد الحفيظ

28 تعليق تم إضافتها

شاركونا آرائكم
  1. كل الشكر والامتنان على روعة بوحـك .. وروعة مانــثرت .. وجمال طرحك .. دائما متميز في الانتقاء سلمت على روعه طرحك نترقب المزيد من جديدك الرائع دمت ودام لنا روعه مواضيعك لك خالص احترامي
    17 نوفمبر 2011 رد
  2. السلام عليكم يعطيك الصحة أخي عبد الحفيظ ... محلاحظات رائعة تعكس فعلا واقع الشارع الجزائري انصحك بارتياد المقاهي دائما لنستمتع بمقالاتك تحياتي
    17 نوفمبر 2011 رد
  3. ههههههههه روحك الفكاهيه تعجبنى أخى عبد الحفيظ ، المقال رووعه والله ، باركك الله ، حقاً كأنك ذهبت إلى قهوه من عالم أخر !
    17 نوفمبر 2011 رد
  4. أهلا بكم ، نورتم @محمد فوزي : العفو ، شكرا لكم على المرور @عماد : نعم فيها الكثير الكثير من واقع المجتمع ، و خصوصا "فارغي الشغل" ;:( @مصطفى محمود : لا شكر على واجب ، كانت خاطرة على واقع حقيقي معاش ، فجاءت كذلك بارك الله فيكم و شكرا على المرور سلامي
    19 نوفمبر 2011 رد
  5. الشعب يريد الـ "يتبع"
    19 نوفمبر 2011 رد
    • الحقيقة كما جاء اعلاه : لا يوجد "يتبع" .... بل يوجد "قد يتبع" فقط (!)
      20 نوفمبر 2011 رد
  6. يا خلى شين جاتلي تضرب زوج بالكرسي و مكانش الي يهدر هذا قاع اتشوكير ولا واش فيلم من هوليوود ولا فيلم هندي صح فيلم هندي نسقسيك الي اضربتهم ابكرسي ما اشفاوش اعليك كيفاه تضربهم وتقعد كيلي ماكان والوا ايو
    20 نوفمبر 2011 رد
  7. للاسف أغلب المقاهي تعتبر وقت للازعاج ليس للاسترخاء أن سلمت من الازعاج ورفع الاصوات في المقهى لن تسلم من روائح الدخان الذي يطغى على رائحت القهوة اتمنى أن يمنع التدخين في المقاهي أو أن يعزل المدخنون في قسم محاط بأسوار من زجاج
    21 نوفمبر 2011 رد
  8. بجد المدونة حلوة اوى
    23 نوفمبر 2011 رد
  9. مرحبا حسنا لا أخفيك أنني عندما قرأت عنوان التدوين (في المقهى)، أول ما جال في خاطري كانت فيما كتب نزار حول (أجلس في المقهى)، لكن عندما دخلت للموضوع وجدتك كتبت ما كتبت، رغم أني لم أعد أرغب في سماع شيء من أحوال الشعب ومما يعانيه المواطن في وطننا، إلا أن أسلوبك في سرد الأفكار وترابطها ورونقة العبارات التي نسجت بها حكاية، جذبتني وجعلتني أنهي الموضوع بدون أن أشعر، بل شعرت برغبة في قراءة المزيد حول الموضوع، ولو كانت التدوينة بطول 100 مرة أكبر من التي كتبتها وبنفس الأسلوب، لقرأتها كاملة بدون ضجر ولا انقطاع. هنيئا لك عبد الحفيظ على هذا القلم السحري. على فكرة هذه التدوينة كانت أول تدوينة قرأتها منذ حوالي أكثر من شهر، منذ أ، فارقت المدونات. استمتع بقراءة التدوينة وفي انتظار (مشاهد (2) .... يتبع).
    24 نوفمبر 2011 رد
  10. تحياتي يا ابن الجزائر الحرة إحساس عال و كلمات منتقاة و تعبيرات جسدت خيال فأصبح واقع يُرى. مع خالص التقدير و التحية من أرض الكنانة مصر
    25 نوفمبر 2011 رد
  11. سرد مميز ما يكرهني في المقاهي هو ما سردت وماعانيت من دخان سجائر تحيتي ومودتي
    25 نوفمبر 2011 رد
  12. الحمد لله أن ثقافة المقاهي غير شائعة جدا لدينا في فلسطين :)
    26 نوفمبر 2011 رد
  13. اقدم لكم أجمل التهاني والتبريكات بمناسبة ذكرى رأس السنة الهجرية الجديدة فعــام مــــبارك ســـــعيد ، علينا وعليكم شـهيد ، وكل عام وأنتم ونحن بألف ألف خير ،
    27 نوفمبر 2011 رد
  14. الشعب الجزائري سريع الإلتهاب ربما أحد أسباب إنفعاله ذلك النفط الذي يشربه كل يوم.
    30 نوفمبر 2011 رد
  15. ذكرتني بأيام الجامعة .. الله يرحم هذيك الايام .. جولة مشوقة في عالم المقهى لترى كل هذه الانواع من البشر .. سعيدة لمروري هنا بعد غياب .. تقبل خالص تحيتي وتقديري.
    2 ديسمبر 2011 رد
  16. اسلوب رائع وطرح جميل تقبل مروري
    2 ديسمبر 2011 رد
  17. أهلا بكم و عذرا على التأخر في الرد عليكم ، إنها الدراسة .... ;) @راضية : إطرائك علي شهادتك اعتز بها ، بارك الله فيك @Ahmed : و بارك الله فيك ايضا ، شكرا على المرور اخي احمد @goulha : اهلا بكاتبنا ملوك ، نورت بمرورك استاذ ... و سنة هجرية مباركة علينا و عليكم @الراصد : ثاقفة المقاهي هي ثقافة المجتمع هنا ،لا يوجد 1 كلم مربع و لا توجد فيه 10 مقاهي ((=) @سعد : صحيح ، بوركت ، هو فعلا ذلك النفط الاسود الذي نشربه صباح مساء ... () @وجع البنفسج : اهلا بكم و نورتم بعد غياب ، صحيح ، الذكريات هي الاشياء الوحيدة التي بقيت @عيسى ابراهيم : اهلا بكم و شكرا على المرور الطيب ... شكرا لكم ، شكرا لكل من علق و لكل من مر ايضا ، نورتم
    3 ديسمبر 2011 رد
  18. تعال إلى المقهى الذي أجلس فيه كل يوم .. تشوف العجب :p
    8 ديسمبر 2011 رد
  19. صراحة انا انبهرت من كتابتك ومن اختيارك لكلماتك صراحة مقال يستحق درجة ٢٠٠٪ بلا مبالغة تحياتي واتمنى ان تتحفنا بالمزيد
    17 ديسمبر 2011 رد
  20. تنبيهات: المدونة بحلة جديدة من جديد | مدونة عبد الحفيظ 26 يناير 2012

    […] جعل كل تدوينة بقائمة جانبية مخصصة اتجاها و محتوى كهذه المقالة او حتى بدون قائمة جانبية على الإطلاق مثل هذا المقال ، […]

  21. Cher neveu Tu sais je ne suis pas fort en arabe mais j'ais un effort pour lire ton texte et essayer de comprendre ce qu'il y a derrière j'en suis sorti avec les conclusions suivantes: Prendre un café à l’intérieur de ce lieu pour réfléchir et s'étonner des manières de ce bas petit monde n'a rien de spécial , ce que tu as vu c'est des scènes qui se répètent des milliers de fois dans ces endroits pareils et le ridicule n'a jamais tué personne comme on dit Je doit attirer ton attention que tu dois faire l'impasse de ce genre de choses
    29 يناير 2012 رد
  22. أنا أصﻻ أكره المقاهي
    15 مارس 2012 رد
  23. مرررررررررررررررررررررررررررررررررة الموضوع مفيد وياليت يتم تكميل
    10 أبريل 2012 رد
  24. هذا المقال للدكتور مصطفى محمود كتبه منذ سنوات طويله...عيب عليك
    16 نوفمبر 2014 رد
    • كذب وافتراء منك، المقال كتبته حرفا حرفا، سطرا سطرا، كتبت جزءا منها في المقهى والباقي في المنزل اتحداك ان تأتي بقال كاتبك المزعوم قد تتشابه العناوين مع اني لم افكر اطلاقا في البحث عن امكانية وجود عنوان مشابه لاني اردت مقالي بالشكل الذي اريده دوما، من وحي بنات افكاري لا تتسرع في ازدراء الناس والحكم عليهم قبل البحث والتمحيص
      16 نوفمبر 2014 رد
      • أعانك الله على مثل هذا ممن لا يجيدون سوى الانتقاد والتثبيط! لو انه فقط جاء بدليل على صحة مزاعمه على الأقل! دمت اخي عبد الحفيظ
        21 نوفمبر 2014 رد

أتركوا تعليقا