سلام الله عليكم
مشاهد …..
لست من مرتادي المقاهي و لكن في هذا اليوم وجدت نفسي لا اطيق البقاء في الجامعة ثانية واحدة بعد انتهاء ساعات دراستي ، قمت أجر نفسي متعبا ، مرهقا و وحيدا خارج اسوارها ، كل ما اريد الآن و هو إسلتقاء على كرسي و استشاف لقهوة بهدوء بعيدا عن الصخب ، لم اكن في كامل وعي ، لم اختر المقهى بعناية ، المهم ان ادخل و احصل لنفسي على كأس قهوة ، لا يهم من أين نوع ، شكل او ثمن المهم قهوة ! كنت قبل ساعات قد نويت الصوم لكن على دين من قبلنا ، صوم على الكلام فلم يعد ما يدور حولي يستحق الكلام عنه ، و زاده التعب هيبة ، حتى اني لما جلست في زاوية المقهى اليمنى الأقرب للمخرج لمحت للساقي أن هات إلي كوب قهوة بدون نطق كلمة واحدة .
ثواني و وصل كوب السم الأسود الحلو* ، ارتشفت اول رشقة منه و تراجعت للخلف قليلا ملقيا بظهري على الكرسي لتبدأ عيناي رحلة الملاحظة الصامتة لكل من هو داخل المقهى ، ثواني و يدخل رجل يبدوا في العقد الخامس من عمره ، نار الشيب بدأت تلتهم شعره الذي لم يبقى منه الكثير أصلا ، فاجئني حيث جلس و لم يطلب أي شيء ، فقط فتح جيبه و أخرج علبة سجائر من أسوء الأنواع الموجودة في الأسواق الكل يعرفه اسمه ” نسيم ” و لكنه يقتل كل نسيم موجود ، أشعل سيجارته الأولى ببطئ ، لم افهم لماذا في أول الأمر ، حتى جلسته لم تكن سوية ، كأنما كان يريد إخفاء جهته اليمنى ، زاد فضولي ، لم أطل النظر إليه فعيناي كانتا قد انتقلت الى غيره ممن هو جالس في الزاوية المعكسة لي حيث علا ما بدا لي أنه شجار او نقاش حاد جدا ، لكنه تبين أنه في تلك الزاوية يجلس ساديان و عبدهما الذليل ، حيث يتمتعان بإهانته بمختلف الكلمات ، فجأة شاهدت نفسي تقوم مسرعة باتجاههما لترفع كرسيا و ترطمهما به ليخرا صريعين فكيف لهما أن يستعبدا الناس و قد ولتدهم أمهاتهم أحرارا ؟ لكني أعود لرشدي ثواني بعد ذلك في نفس الزاوية لكن العينان انتقلت الى طاولة أخرى قرب تلك الزاوية لتطلع على يوميات طالبي عمل ممن يبدوان من خريجي الجامعات واحد منها يتصفح 3 جرائد مرة واحدة و الثاني يحمل قلما و كراسا فيما يبدوا انهما يدونان كل طلب عمل يجدانه في الجرائد ، و كل منهما منهمك في ذلك حتى أن كأسي الشاي اصبحا يبدوان باردين و هما اللذان أصلا لم ينقص منهما شيء ، بضع خطوات منهما ، تقع الزاوية الأخيرة حيث انتقلت آلة الملاحظة القابعة في عيناي لتبصر أربعة أشخاص بدوا لي ممن يريد الحصول على مكان في كتاب جينس للأرقام القياسية ، فهم أكثر أهل المقهى كلاما ، و أكثرهم التهاما للسجائر ، و أكثرهم طلبا للمأكل و المشرب ، و أكثرهم ضحكا ، و أكثرهم قياما و قعودا ففي كل لحظة يهمون بالمغادرة ثم يعودون ، المقهى أصبح مكانا به كل الأجناس و الأنواع و لا يبدوا انه المكان المخصص لي حاليا ، كنت أهم بالخروج لكني لاحظت اني لم كوب القهوة لم يصل الى نصفه بعد ، انهيه ثم اغادر ، هكذا قلت في نفسي .
O_o
بعد تلك الجولة بين زوايا و طاولات المقهى فوجئت بسحابة تحول بيني و بين اي شيئ ظمن حدود متر واحد من طاولتي و شيئا فشيئا بدأت تلك السحابة تقترب ، أووه ، رائحة كريهة ، رائحة سجائر صاحب الشعر الملتهب ، نظرت إليه لعله يعي ما يفعل ، لكنه كان منهمكا في إشعال سيجارته الثالثة على التوالي دون طلب اي شيئ لحد الآن و دون أخذ استراحة بين سيجارة و أخرى ، لمحت هذه المرة ما كان يريد اخفاءه ، إنها يده اليمنى ، لقد كانت ترتعش بشدة ، خصوصا لما يأخذ نفسا من ذلك الشيطان الأبيض ، إنه إما داء الرعاش او بارنكينسون ، لا يهم إنها شران أحلاهما حنظل ، تأسفت لحاله ، حمدت الله على نعمه و دعيته أن يشفيه ، قاطع تأملي هذا مشهد خروج طالبي العمل و تنويه أحدها للآخر بقوله أن هناك جريدة ما لم يتفحصها بعد لعله يجد فيها فرصة عمل هذه المرة ، ما إن غادرا حتى علا صوت الساديان مرة أخرى ، و لكن بشكل فضيع مرفوق بعدة كلمات من السب و باذئ القول ، هنا دقت ساعة رحيلي عن هذا المكان الذي فعلا لم يكن مكانا مخصصا لي في المقام الأول ، لكن لم اشأ المغادرة دون ترك انطباعي على المقهى ، طلبت مكالمة صاحب المقهى ، ففاجئني الساقي أنه هو صاحب المقهى فماذا تريد ؟ قلت بصوت ثقيل يشده التعب أن الساديان في الطاولة الفلانية قد تجاوزوا حدود اللياقة و الأدب و وجب طردهما ، لكنه فاجأني أنه لا يستطيع إعادة تربيتهم من جديد ، بالزيادة هم زبائن لديه مثلهم مثلي ، أحسست بصفعة ساخنة تكوي خدي ، لعنت الزمان و المكان ، قلت كم أدفع لك يا هذا ، قال 40 دينارا ، دفعت و خرجت لا الوي على شيء إلا ان اعود لبيتي …..
قبل أن أقول “قد يتبع … ” أود أن اتذكر إخواننا من ممن حرموا نعمة البصر ، كان الله معكم ، و عوضكم حبيبتيكم بالجنة إن شاء الله ، الحمد لله على نعمه جميعا الآن ، قد يتبع … !
*لماذا سم أسود حلو ، لأن شعوب الأرض جميعا تستهلك القهوة بدون كافيين و مخففة و نحن -الشعب الجزائري- الوحيدون ربما الذين نحتسي اكواب القهوة متخمة بالكافيين و نزيد أن نطهوها او نطلبها شديدة التركيز لعلها تعدل مزاجنا المتقلب .
#لست ” لاهي للغاشي” ، لكن هناك أشياء مثل الجوع و التعب قد تجعلك تفعل ما لا قد تتخيل يوما أنه ستفعله .










عدد التعليقات (25)
أضف تعليقا